الشيخ محمد رشيد رضا

449

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند اللّه ؟ هم من لعنه اللّه وغضب عليه الخ ومن عبد الطاغوت . وقرأ حمزة ( وَعَبدَ ) بفتح العين والدال وضم الباء ، وهو لغة في ( عبد ) بوزن ( بحر ) واحد العبيد . وقرأ ( الطاغوت ) بالجر بالإضافة . وهو على هذا معطوف على [ القردة ] اي وجعل منهم عبيد الطاغوت ، بناء على أن عبدا يراد به الجنس لا الواحد . كما تقول : كاتب السلطان يشترط فيه كذا وكذا . وقد تقدم ان الطاغوت اسم فيه معنى المبالغة من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد المشروع والمعروف إلى الباطل والمنكر ، فهو يشمل كل مصادر طغيانهم ، وخصه بعض المفسرين بعبادة العجل ، ولا دليل على التخصيص . أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ اي أولئك الموصوفون بما ذكر من المخازي والشنائع شر مكانا إذ لامكان لهم في الآخرة الا النار . - أو المراد بإثبات الشر لمكانهم اثباته لأنفسهم من باب الكناية ، الذي هو كاثبات الشيء بدليله ، - وأضل عن قصد طريق الحق ووسطه الذي لا إفراط فيه ولا تفريط . ومن كان هذا شأنه لا يحمله على الاستهزاء بدين المسلمين وصلاتهم وأذانهم واتخاذها هزؤا ولعبا الا الجهل وعمى القلب . * * * وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا الكلام في منافقي اليهود الذين كانوا في المدينة وجوارها . أي ذلك شأنهم في حال البعد عنكم ، وإذا جاؤكم قالوا للرسول ولكم اننا آمنا بالرسول وما أنزل عليه وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ اي والحال الواقعة منهم انهم دخلوا عليكم متلبسين بالكفر ، وهم أنفسهم قد خرجوا متلبسين به ، فحالهم عند خروجهم هي حالهم عند دخولهم ، لم يتحولوا عن كفرهم بالرسول وما نزل من الحق ، ولكنهم يخادعونكم ، - كما قال في آية البقرة ( 2 : 75 وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ، وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا : أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) الآية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ عند دخولهم من قصد تسقط الأخبار ، والتوسل اليه بالنفاق والخداع ، وعند خروجهم من الكيد والمكر والكذب الذي يلقونه إلى البعداء من قومهم كما تقدم قريبا في تفسير ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ) ( تفسير القرآن ) ( 57 ) ( الجزء السادس )